الفصل 4
نظر آدم بدهشةٍ لقسيمة الزواج التي كان ممسكًا بها، وأخذ يتسائل ما إن كانت حقًا مزيفة، فتلك الفتاة لديها نفوذ كبير لدرجة أن استطاعت تدبير مثل هذا الأمر.

"حسنًا"

في الواقع، لم يكترث آدم بالأمر من الأساس، فحتى لو كانت حقًا مزيفة، سيجنّبه هذا بعض المتاعب في المستقبل.

قالت مريم بجفاء: "عد بمفردك، فما زال لدي مهام أخرى أنجزها"

أدارت رأسها وانصرفت بعد أن أنهت حديثها، فتمتم آدم متأففًا: "كم هو صعبٌ إرضاء فتيات المدينة المدللات!"

"لا بأس، سأبقى هنا ثلاثة أو أربعة أشهرٍ على الأكثر، وأرى ما إن كان بمقدوري سداد الدين أم لا، ثم أعود للقرية مرةً أخرى"

بعد ذلك، ذهب آدم لجمع بعض الأعشاب، وبعد أن طحنها، صنع منها حبوب دواء قاتمة السواد.

ابتسم آدم بفخرٍ حين ملأت رائحة الدواء المميزة الأرجاء.

"بتناول تلك الحبوب، ستتعافى جميع علل بدن الجد فاروق"

تضررت أعضاء جسم الجد فاروق بسبب كبر سنه، ولا تجدي الأدوية العادية نفعًا معه.

بعد أن انتهى آدم من صنع الدواء، أخذ يتجول في المدينة بأريحيةٍ ليألفها.

وعاد إلى منزل عائلة فاروق قرابة الساعة الحادية عشر.

كان الجد فاروق الذي تحسنت صحته بشكلٍ ملحوظٍ يجلس على الأريكة، ودعا آدم للعب دورٍ من الشطرنج معه.

"جدي، لقد صنعت لك بعض الدواء، خذه فيما بعد وستتحسن صحتك"

علت الدهشة وجه الجد، ثم قال بفرح: "كم هذا رائع! لم أتوقع أنك ستشغل بالك بذلك الجسد العجوز البالي بينما تتجول بالخارج"

أجابه آدم: "هذا أقل من الواجب"

قال فاروق بنبرةٍ ودودة: "كيف تريد أن يكون زفافك يا آدم؟ سأقوم بعمل الترتيبات اللازمة فورًا كي تتزوج أنت ومريم في غضون أسبوع"

"يا جدي!"

جاء صوت مضطرب من ناحية الباب، وكانت مريم قد عادت لتوّها من الخارج.

هرعت مريم بالدخول وقالت بصوتٍ منخفض: "جدي! أنا وآدم بالكاد تعرّفنا، ولا نكنّ لبعضنا البعض أي مشاعر، ألا يمكن تأجيل الزفاف قليلًا؟"

جعلت مريم صديقتها المقربة تتواصل مع أحد موظفي السجل المدني ليزور لها قسيمة زواج، وبهذا تمكنت من تجنب الزواج من آدم فعليًا.

لكن إذا أقاموا زفافًا بتلك السرعة، فلن يكون هناك فرق سواءً كانت القسيمة حقيقية أم مزيفة.

"كما أن لدينا الكثير من العمل في الشركة بالآونة الأخيرة، ومجموعة النمر تضغط علينا بشكلٍ كبير، فلا أملك متسعًا من الوقت لهذا الأمر"

قطّب فاروق جبينه وقال بعدم اكتراث: "حفل الزفاف لن يستغرق سوى يومًا واحدًا"

قال آدم: "جدي، أنا ومريم متفقان في تلك المسألة، فحفل زفافٍ بدون مشاعر صادقة، لا يستحق أن يُقام من الأساس!"

انطفأ دفء عينا مريم الساحرتان فجأة، ورمقت آدم بنظرةٍ حادة.

هذا الوقح! كيف تجرأ على مناداة اسمي بتلك الألفة؟

لكن لا بأس، سأغفر له تلك المرة فقط لأنه تصرف بذكاء.

قال فاروق بابتسامةٍ وديعةٍ: "حسنًا، كما تريد، لكن متى ما رأيت أن الوقت مناسب لإقامة زفافٍ، فليكن"

قالت مريم باستياء عندما رأت هذا الموقف: "لعلمك يا جدي، أنا حفيدتك الحقيقية وليس هو"

ضحك فاروق وأجابها قائلًا: "هذا صحيح، لكن من الآن فصاعدًا، سيكون آدم أيضًا حفيدي، أنتما الإثنان الآن سواء"

عبست مريم، فكيف يكون الإثنان سواءً؟ هل يرقى هذا الفلاح لمستواها؟

أعدت أزهار مأدبةً بأشهى الأطعمة، فسألتها مريم: "أمي، لما كل هذا الترف؟"

أجابت أزهار بنبرةٍ رقيقة: "ذهب أباك لاستقبال الطبيب لؤي، فقد أنقذ هو وآدم حياة جدك، لذا لا بد أن ندعوهم لتناول الطعام معنا"

قالت مريم معترضةً: "وما علاقة آدم بالأمر؟ لقد تصادف أنه يجيد نوع من أنواع التداوي بالإبر الصينية، أما الطبيب الحقيقي الذي يداوي المرضى فهو الطبيب لؤي"

نهرتها أمها بصرامةٍ وقالت: "مريم! تحلي ببعض الأدب ولا تتجاوزي حدودك"

شعرت مريم بالغضب، ولمحت بطرف عيناها ورقةً مطوية، ففتحتها لتنبعث منها رائحة نفّاذة.

"أوف!"

كادت مريم تتقيأ بمجرد أن استنشقت تلك الرائحة.

"ما هذا؟ من الذي وضع روث الأغنام هذا على المائدة؟ يا للقرف!"

وبمجرد أن قالت مريم هذا، ألقت بالورقة بما فيها من حبات دواءٍ في القمامة بلا تردد.

عبس آدم، وقال: "هذه حبوب دواء ذات فاعليةٍ مذهلة، أعددتها خصيصًا لجدي فاروق.

رمقته مريم بنظرةٍ غاضبة وقالت: "حبوب دواء؟ هل أنت محتال؟ رائحتها مثيرة للاشمئزاز وكأنها روث أغنام، هل تتعمد السخرية من جدي؟"

"الله وحده يعلم من أين جئت بهذا الشيء، لكن هل ستتحمل المسؤولية أيها الفلاح الوضيع إذا أصاب جدي مكروه بسبب تناوله هذا الشيء؟"

احمر وجه فاروق غضبًا بمجرد أن سمع توبيخ مريم لآدم، وقال: "مريم! اعتذري لآدم فورًا!"

قالت مريم وكادت تفقد السيطرة على أعصابها: "لن أعتذر يا جدي! إذا كنت لا تصدقني قلتلقِ نظرةً بنفسك، أتسمّي هذا دواءً؟ أليس هذا روث أغنام؟"

امتلأ قلب مريم بمزيجٍ من الغضب والقهر، ولم تستطع فهم سبب انحياز جدها لذلك المحتال آدم.

ألقى آدم نظرةً على الدواء الملقى في القمامة، وظن في قرارة نفسه ألا بأس بذلك، سيعد المزيد منه بالغد ويعطيه للجد فاروق حين يكون بمفرده.

وقال: "لا بأس يا جدي، لا تؤنب مريم"

"اخرس! ومن سمح لك بالحديث أصلًا؟ هذا منزلي أنا!" قالت مريم الغاضبة بتهكم.

شعر آدم بأنه لا جدوى من الحديث معها، فظل صامتًا.

طاخ!

ضرب فاروق لوح الشطرنج بقوة، واعترى الغضب ملامح وجهه.

خرجت أزهار من المطبخ على عجلٍ وسحبت ابنتها من ذراعها بعد رؤيتها ما حدث.

"أبي، مريم ما زالت غير ناضجة، سأتحدث معها لاحقًا، لكن أرجوك لا تغضب بهذا الشكل فصحّتك لم تتحسن بعد"

احمرت عينا مريم بعض الشيء، لكنها عضت على شفتيها بإصرارٍ رافضةً الاعتراف بالهزيمة.

قال فاروق بغضب: "يبدو أنني أفرطت في تدليل تلك الفتاة"

قالت أزهار بنبرةٍ هادئة: "ومن قد يقول غير ذلك؟ فلطالما كنت الأكثر تدليلًا لها منذ نعومة أظافرها وحتى الآن"

بعد ذلك، أشارت بطرف عيناها لمريم، ثم جذبتها خارجًا رغمًا عنها.

قال الجد فاروق معتذرًا: "لا تغضب يا آدم، فعلى الرغم من طباع تلك الفتاة الحادة، إلا أن قلبها طيب في الحقيقة"
Sigue leyendo en Buenovela
Escanea el código para descargar la APP

Capítulos relacionados

Último capítulo

Escanea el código para leer en la APP